Saturday, October 17, 2009

الاقصى .. والمساحة المفقودة

بسم الله الرحمن الرحيم
طالعنا هذه الأيام على الفضائيات وفي الصحف أخبار هذه الحلقة من المسلسل الوحشي لليهود والاعتداءات على مسجدنا الأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين ، كما رأينا هذه الجهود التي قام بها الشباب للتضامن مع هذا المسجد العريق الذي يمثل طيفا وضاءا ونبراسا من نور الماضي وروحا حقيقية من أرواح الهوية الإسلامية في هذا الزمن ، وهنا كانت الوقفة وكان النظر ودارت رحى التأمل حول حقيقة هذه الآليات التي نتعامل بها مع قضية فلسطين وهذا السلوك الذي يسلكه جموع الشباب والناشطون تجاه هذه القضية .
لا شك أن الأحداث المتسارعة في هذا الشأن تمثل مادة مناسبة وبيئة خصبة ومناخا ملائما للتعبئة العاطفية والإثارة النفسية فما إن نخرج من مذبحة حتى تلاقينا اخرى ، وما إن نفيق من طعنة حتى تداهمنا أخرى وهكذا تتتابع النوائب والطعنات ونحن نلقاها دائما بسيل من الحملات والثورات التي تكون جل ما تكون رد فعل لهذه الجرئم ، فإلى متى سنظل على هذه الوتيرة من الثورات وردود الافعال تجاه هذه الجرائم ؟ والتي بدأت منذ إعلان دولة اسرائيل وحتى اليوم متمثلة في هذه الاعتداءات على مقدساتنا ومرورا بحريق المسجد الأقصى ومجزرة غزة الأخيرة وهذا السجل الدموي الحافل بأنواع الإجرام والبغي ، ولا يزال التفاعل هو نفسه ورد الفعل كذلك .
في الحقيقة أرى أن هناك عوامل ثلاثة يعاني منها هذا الجيل وتقف عائقا أمام أي تحرك إيجابي حقيقي سواء في هذه القضية أو غيرها ، وتقضي على فاعلية هذه التحركات ، وأرى أيضا أن أول هذه العوائق هو فقدان الثقة بمقومات الحضارة الإسلامية ، ومن ثم عدم التسمك بالهوية الإسلامية والتفريط فيها ، والسعي خلف استيراد أنماط مجمدة ربما لا تناسب طبيعة مجتمعنا ولا ظروفه ؛ أدى ذلك بطبيعة الحال إلى تساقط هذه القيمة الثمينة لرموز هذه الهوية وسهولة التنازل عن مفردات الحقيقة التاريخية والعقائدية ،وأنى لك حين ذلك أن تتحدث عن اعتداء على مقدس إسلامي او تدنيس لحرم مبارك ؟!.
وأرى أيضا أن ثاني هذه العوائق هو فقدان العزيمة ، أو إن شئت قل أصبحت العزائم هشة خائرة ، وذلك بسبب فقدان التوتر الداخلي أو الدافع النفسي الذي يحمل على الانطلاق والثورة والذي يعقد عليه مناط الهمة والإنتاج ، فهناك ثقافات الخوف واليأس والانهزامية وغيرها من المشاعر الخبيثة والرسائل المميته التي سكنت النفوس ؛ فجعلت تحركها متباطئا وهزيلا وفقد المجموع قدرته على التحرك بما يليق به فضلا عن صناعة الأحداث وتغيير الواقع .
أما الثالثة وربما تكون هي السبب الحقيقي خلف كل هذه المعوقات فهي فقدان القدرة على التفكير، بحيث أصبح الجيل غير قادرا على النظر في حياته ، لا يستطيع وضع يده على نقاط القوة والضعف فيها ولا يقدر على تحديد ما يحتاج ومالا يحتاج ، فأتت ممارساته كثيرا ما يشوبها نوع من السطحية والفتور وفقدان الفاعلية الحقيقية ، واقتصر على فعاليات رد الفعل التي تجلب له شعور الرضا عن نفسه وعن مجهوده وتحقق قدرا من التسكين لعواطفه وانفعالاته وانصرف إلى ذلك راضيا مستكينا.
ولذا فإننا نستطيع ان نقول إن هناك مساحة حيوية مفقودة من العمل والتعاطي لهذه القضية الكبرى وهي مساحة البناء والفكر ، مساحة الإدراك الحقيقي لحقيقة الصراع بيننا وبين اليهود في هذه المعركة الطويلة ، مساحة التربية الفعلية للجيل على الثقة بمفردات حضارته الاسلامية ونبضات تاريخه المشرقة ، ومن ثم التمسك بهذه الهوية أمام طوفان العلمانية والمادية والفساد الفكري ، مساحة التربية الفكرية لهذا الجيل ليصبح قادرا على دراسة واقعه وواقع القضية ، ومن ثم اعتماد أساليب جديدة وفاعلة ومنهجية علمية لحل هذه القضية والتعامل معها من خلال سياسة واضحة مستمرة للتفاعل وبذل الجهد واهتماما لا يفتر بهذه المعركة ، فالقضية واضحة ومفردات الصراع فيها واضحة ، وإن كنا نريد نتائج حقيقية فلتكن جهودا تواجه هذه المخططات بشكل كامل ومتواصل ؛ ووقتها تكون ردات الفعل شيئا طبيعيا ذاتيا لا يحتاج لمجهود إضافي لإثارته أو تعبئة الجماهير وحشدها.
أرجو أن لا يفهم كلامي على انه رفض لفعاليات المناصرة وصيحات الغضب من أجل مقدساتنا وإخواننا ، ولكنها دعوة لأن تكون اليوم وقفة حقيقة عن واقع القضية من مجتمعاتنا وواقع الادراك العربي والإسلامي لهويته الاسلامية والثقافية ومدى ثقته فيها و تمسكه بها ، حتى نستطيع تحرير هذه العزائم ، وتوجيه الجهود إلى تحقيق انتصارات وإنجازات مستمرة لا تتوقف على جرائم العدو التي لن تنتهي طالما هو موجود في هذه الأرض المباركة .
أدعو الله ان يفك كرب إخواننا ومسجدنا ، وأن تقر أعيننا بتحرير هذه الأرض المقدسة ، وأن نرى راية الاسلام عالية خفاقة في مشارق الأرض ومغاربها ، إنه ولي ذلك والقادر عليه .
أخوكم/
عمرو عبد الباري

Sunday, October 11, 2009

توقف مؤقت

اخواني الافاضل ... اعتذر لعدم تواجدي بصفة مستمرة الفترة القادمة وحتى منتصف شهر يناير وذلك لاستعدادي لامتحانات البكالريوس في مادتي " الجراحة ، والولادة وأمراض النساء " ...ان شاء الله متواجد يوميا عقب صلاة الظهر ولمدة ساعة ونصف على الاكثر واكون اون لاين على الماسنجر وقتها ... لا تنسونا من صالح الدعاء

Thursday, September 24, 2009

أحبك.. فاقبليني

أحبك .. فاقبليني
ـــــــــــــــــــــ
رسالة من أحد سجناء الرأي الى محبوبته

إليكِ سيرجف القلم الحزين
بلوعة الحبِ
تسيل دموعه تترى
على الأوراقِ والقلبِ
فيكتب في رحاب الشعر أبياتا
ترافقني
وتحملني إلى حلم يراودني
ويرجو ساعة القربِ
أداعب زهرة الأيام
ألثمها
فيشرق طيفك الوضاءُ
في زنزانتي..حراً
يواعدني..
بأني سوف ألقاكِ
وهذا الوعد من ربي
بريق النور في عينيكِ
يحييني...
وينسيني لظى الجدبِ
كأنك مثل فاتنةٍ
تداعب شعريَ...
المغبر بالإذلالِ والظلمِ
لتوقظني
من الإغراقِ في الحلمِ
فتصحو في حنايا النفس أشواقاً
أداريها
فلا أدري..
هل التاريخ يكتبها
أم السجان يفنيها
أحبكِ..
حين أنطقها
يذوب العشق إكسيراً
فأنسى قسوة الجلادِ ..والطاغوتِ
أنسى كل نائبةٍ
وتبقى مصر أغنيةً
أغنيها
وانشدها.. نشيد العشقِ
فلتهنأ شفاهي
فذاك الاسم يقطرُ
من رحيق الحبِ
يسقيها
وإن جاءوا ليعلن جمعهم
قتل الكرامة في بلادي
ويرقص فيهمُ الكلب المتوجُ
فوق جثمان البراءة.
سيبقى دفق أقلامي
على الجدران يرسمها
عروساً ... في مغانيها.
أحبكِ
يا بلاد النيل حبا .. لا يفارقني
ولكني..
أرى أهداب عينيك الجميلة
لا تراني
أرى الكُحلَ الملون فيهما
يرنو إلى غيري
لماذا...
يا بلاد الحب شوك الحبِ
يلقاني ؟!
وأزهار المودة لا تلاقيني !!
لأني عشت مشغولا بحبك
صرت مسجونا
وصار الخائن الكذاب سجاني
ولكني...
سأبقى حيث بات النور يزهو
في رحابك وارف الأغصانِ
يعرفني .. ويرعاني
يدثرني نسيم النيل..
حين يصير حبر عروبتي
ماءا..
فأرشفه .. ليرويني..
فيمحو كل أحزاني
سأبقى حيث كان الحب
نبراسا..
أجدد بين جدران السجونِ
وثيقة الحب القديم مرددا
أني أحبك يا بلادي
فاقبليني
أحبكِ يا بلادي
ف..ا..ق..ب..ل..ي..ن..ي
*********
شعر
عمرو أحمد عبد الباري
بكالريوس الطب والجراحة
جامعة المنصورة
24/9/2009

Tuesday, August 25, 2009

ماذا لو اراك .... قصيدتي في رثاء اخي احمد البلقا رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم
يوم الثامن والعشرين من اغسطس يعتبر يوما مميزا لي فهو تاريخ ميلادي وكان يعتبر من ايام السعادة في حياتي وذلك حتى ثلاث سنوات فقط ففي نفس هذه الليلة منذ 3 سنوات فقدت اخي وحبيبي د. /أحمد البلقا في حادث سيارة أليم...كنت احب احمد حبا شديد فقد كنا متلازمين طوال الوقت ..تعلمت منه الكثير... ومع اقتراب هذه الذكرى ..أنشر قصيدة كتبتها في رثائه بعد مرور عام على وفاته ... رحمه الله
ماذا لو اراك ...؟
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تمر الليالي ودمع الأسى
يعانق انغام حزن مديد
-
ويبكي فراق حبيب لنا
له في القلوب رجاء بعيد
-
ترى لو اراك أيا "أحمد "
أيعزف قلبي نشيدا جديد
-
وماذا سنذكر في همسنا
وماذا عساه يكون النشيد
-
أراني سأذكر عاما مضى
بدمع الفراق ولحن شريد
-
أقبل رأسك في لهفة
وأبكي إليك بكاء الوليد
-
فلا أنت فارقتنا ساعة
ولا غاب عنا سناك البعيد
-
أخي ذاك دمعي أذاب الثرى
فماذا تقول لقلب شهيد
-
أراك ستبسم في رقة
تضئ لها احرفي من جديد
-
وتذكر أيام كنا معا
وأزهار خير وعيش رغيد
-
وأنوار عهد أضائت لنا
طريقا من الحب فينا يزيد
-
وتذكر جنات ربي رضا
وحور الجنان وقصرا مشيد
-
أراك ستذكر لي أخوة
طواهم من الشوق هم عنيد
-
أراك ستذكر لي دعوتي
وتنصحني بالكتاب المجيد
-
نعم.. سوف أمضي إلى مجدنا
فذاك الطريق ولا لن أحيد
-
وأرجو من الله قرب اللقا
فيوم نراك فذا يوم عيد
*********
شعر
عمرو احمد عبد الباري
بكالريوس الطب والجراحة
27/8/2006

Thursday, July 30, 2009

بين يدي الفكر "3" ... الركود وقانون الإفساد

بسم الله الرحمن الرحيم

لا يخفى على أحد أن الماء إذا ترك راكدا لفترة فإنه يأسن ويفسد وتعتريه التغيرات التي تذهب بطبيعته النقية الطاهرة والمطهرة لغيرها وتتبدل خواصه الطبيعية والحيوية وتنمو به الطفيليات وغيرها من علامات الفساد ، وفي عالم الجماد والآلات فإن الآلة التي تظل دون عمل لفترة طويلة يصيبها تغيرات كثيرة جلها الى الأسوء ، وكذلك الإنسان إذا ظل راقدا في فراشه دون حركة فإن الأمراض والأوبئة ستتكالب عليه لتهلك هذا الجسد الراكد لتحيله إلى عجز بعد قدرة وضعف بعد قوة وشحوب بعد نضرة ، لكن الماء الجاري له شأن آخر من الجمال والنقاء والآلة العاملة لها رونق آخر من العطاء والانتاج والجسد المتحرك له طبيعة رائعة من القوة والحيوة.

إنه قانون إلهي نراه كل يوم ويلوح أمامنا كل ساعة نلاقيه في الملمات حين تكون الكلمة للطاقات النافرة ، كما نعرفه في أوقات الرخاء سواء بسواء ، فالركود دائما شأنه الفساد والإفساد والثبات في هذه الدنيا من المستحيلات فإن لم يكن التطور والتغير الى الأفضل هو الحال القائم كان التقهقر والتراجع للأسوء هو عنوان الموقف.

لا ينطبق القانون السابق على عالم الماديات فحسب ولكنه قانون عام ينطبق على عالم الأفكار ويسري في ميدان المناهج والأنماط أيضا ، فالفكرة التي يتناولها أصحابها بجمود خال من حيوية العقل وروح الفكر ويأخذوها من أسلافهم نمطا موروثا لينزلوها إلى واقعهم كما هي ، محاولين توريثها إلى أخلافهم بنفس هذه الطريقة الجامدة ، يكون مصيرها المحتوم أن تأسن وتطرأ عليها مظاهر الفساد ، والمنهج الذي يحمله أصحابه كالأوعية الخاملة التي لا تتفاعل مع ما تحمل لا يكتب له الثبات والاستمرار بل تعتريه الإنحرافات ويرتاده الشذوذ حتى وإن كان صافيا في أوله.

والفساد في عالم الأفكار هو فساد شديد الوطأة عظيم التبعات ، تلمح أثره واضحا في هذه الصيحات الشاذة والشبهات القاتلة ، تلمسه جليا حين ترى الأفكار عاجزة امام المستجدات لا تستطيع النفاذ خلال الواقع بسهولة ، فربما تنكسر الفكرة وتخضع أمام العواصف وربما تحرفها النجاحات عن غايتها الأصلية وربما يكون ذلك الفساد استسلاما امام قضية من القضايا لا تستطيع التصرف فيها بل ربما كان هذا الفساد متمثلا في ضعف التأثير وتراجع الانجازات التي حققها السابقون ، أيا من هذه الأعراض السابقة هو علامة الفساد والاضطراب الذي طرأ على فكرة نتيجة ركود أصابها على مدار أجيال مختلفة من حامليها.

من هنا أستطيع أن أقول أن الطريقة المثلى للتعامل مع الأفكار والمناهج هي طريقة التفاعل والتلاحم ، طريقة الإبداع والإثراء ، يتلقاها كل جيل فيعرضها على واقعه ويعرض واقعه عليها ثم يعمل فيها فكره وعقله فيفرز ذلك أفكارا جديدة وأنماطا غير تقليدية تكون أكثر ملائمة ومسايرة للتغيرات المحيطه فتكون المحصلة صياغة مستقلة للجيل قد صنعها بنفسه يحملها في قلبه وينطلق منها في ميادين الانتاج والنهضة ، وبدلا من أن تكون الاجيال كلها نسخا مكررة متشابهة متطابقة ، يصبح كل جيل علامة مميزة في حد ذاته ومنارة عالية واضحة في تاريخ الدعوة والنهضة.

هي دعوة لتناول المناهج والأفكار بطريقة غير طريقة التلقي فحسب ولكن طريقة الفكر والإبداع بحيث نبدأ من حيث انتهى اسلافنا متخذين من تجاربهم رصيدا رائعا من الخبرات ومتخذين من أفكارهم وتصوراتهم منطلقا نكتشف به واقعنا ونخوض به غمار حياتنا نحمل هذه الأفكار بعقول حية تضفي عليها كل يوم ما هو جديد ، في اطار لا ينكسر من الثوابت والأصول ، نربي أخلافنا على هذا النمط الإبداعي في التعامل مع المناهج والافكار فتسير الفكرة في سلسلة متعاقبة من الاجيال المبدعة القادرة على دراسة الواقع والتعامل معه ، فتنمو الفكرة كل يوم و يزداد تمسك أبنائها بها ، وتصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات والتغيرات حتى يكون النصر وتكون النهضة بإذن الله تعالى.

والله الموفق
اخوكم /
عمرو عبد الباري

Monday, July 6, 2009

بين يدي الفكر "2" .... فكوا القيود

بسم الله الرحمن الرحيم
كان في السابعة من عمره عندما أحضر والده هذه اللوحة الفنية الجميلة ووضعها بإطارها المميز الذي يحمل في تصميمه عبق الأصالة وأطيافا من أنامل الفنان الذي قام بتصميمه ، لا زال يذكر هذه الأيام بشوق ولا زال يذكر والده الذي علمه كيف يكون متذوقا للجمال وعلمه قيمة هذه اللوحات الرقيقة و الرائعة ، أعاد النظر إلى اللوحة وقد أثر فيها الزمن تأثيرا واضحا وبدأت ملامحها تتلاشى ، اعاد النظر إلى التشققات والتغيرات التي بدأت تطرأ على الألوان ، تذكر كلمات والده عن الجمال والتذوق ، قرر الخروج لإحضار لوحة جديدة ما زالت تحتفظ بجمالها .....
عاد إلى بيته بعد بحث طويل بيد فارغة فلم يجد بغيته ، اللوحات الذي رآها جميلة جدا لكنها أكبر من هذا الإطار العريق الذي يضم لوحته البالية ، استغرق في التفكير، أصابه اليأس وترك لوحته القديمة كما هي بإطارها ، بعد أيام أصاب صغيره الإطار بكرته فانكسر الإطار وتمزقت اللوحة فأعاد اصلاح الإطار مرة أخرى ، وحاول إصلاح ما تبقى من اللوحة فهو يعرف أنه لن يجد مثلها كي تسكن هذا الإطار ، وبعد أيام حدثت مفاجأة... أهدى له صديقه لوحة جديدة رائعة ولها إطارأكثر من الرائع ، لم يتردد كثيرا .. أطاح بلوحته القديمة ووضع الجديدة مكانها.
ربما اقتبست جزءا من هذه القصة ، بل ربما لم يتأكد لي أصلا أن جزءا منها حدث في عالم الواقع ، لكني أكاد أجزم أن مثل هذه القصة تحدث كل ساعة في عالم العقول والأفكار ، فالتشبث بالإطار على حساب اللوحة التي هي منبع الفن والجمال حرم صاحبه من لوحة ربما كانت أجمل من سابقتها لكن ذنبها الأوحد أنها أكبر من الإطار الذي وضعه حاجزا بينه وبين دفع دماء جديدة من الإبداع على الجدار .
لا تستقيم حياة العقل إذا كانت بين القيود والقضبان ، فشتان بين تغريد هذا العصفور الذي يحيا في قفصه لا ترنو عينه إلا إلى ما يحدده له صاحبه ولا يقوى على الطيران إلا داخل محيط قفصه وبين تغريد ذلك الذي يسلم جناحيه للريح ، يطير هنا وهناك يحط حيث شاء ويأكل حيث أراد ،إن الفرق بين تغريد هذا وذاك هو نغم الحرية الذي تعرفه العقول جيدا كما تعرفه العصافير ولا تحيا إلا به ،فنحن نرتكب جريمة كبرى في حق عقولنا حين نضرب حولها ألوانا شتى من القيود بدعوى الواقع والبدهيات ، وغالب هذه القيود لا تعدو إلا أن تكون خيالات وأوهام من صنع انفسنا ، ليس لها من الحقيقة نصيب إلا أنها فرضت سجونها على عقولنا فصارت تتحرك في هذه المساحة الضيقة ترقب ذلك يوم الذي تنكسر فيه هذا القيود ، حتى تعود إليها حياتها وحيويتها.
لا أدعو الى ثورة على الثوابت والضوابط ولكني أدعو الى الانطلاق من هذه الثوابت ومنها فقط في طريق تجتازه عقول مفكرة مدركة تقدر على النظر والتمييز بين الثابت والمتغير، وإنها لكبيرة إلا على الذين غذوا عقولهم بغذاء العلم وأوقدوا أفكارهم بوقود العمل وعاشوا يميزون غايتهم جيدا ، ينطلقون في طريق هذه الغاية من منطلق ثوابتهم يسيرون داخل أطر من الضوابط والأولويات ، لكن هذه الأطر تتميز عن غيرها أنها أطر لا تحد من الامكانيات والطاقات ولا تقف عاجزة أمام المستجدات ، فتكون مدعاة الى مزيد من الابداع والتقدم وليس الى الركود والتأخر.
التمييز بين الثابت والمتغير نقطة ربما تحتاج الى أن نقف معها ، فهي الفارق بين ذلك الإبداع الذي ننشده و الإنحراف الذي نمقته ، والوصول إلى هذه الدرجة من الادراك يتطلب استحضارا لمحددات ثلاثة هي العلم والفكر والعمل ، ومع وجود هذه الثلاثية الزاهية من علم بالأصول والغايات والمصالح والمفاسد والحلال والحرام ، وفكر راشد عميق يجعل من التأمل أداة لخوض معارك الحياة وعملا مخلصا يثري رصيد التجارب لدى صاحبه ، يكون الوقوف على حدود الثابت والمتغير أمرا يسيرا ومنطلقا تنطلق منه العقول في طريق الابداع والتطوير.
نريد ذلك الجيل الذي يعرف الثوابت جيدا لينطلق من عندها قدما في طريقه نحو غايته التي يميزها بوضوح متحررا من قيود المتغيرات الوهمية وقد أعتق عقله منها فسار مفكرا مبدعا لا تقف امام قدراته عقبة أيا كانت ولا يحول بينه وبين غايته حائل ، حتى تكون النهضة ويكون التمكين باذن الله ....
والله الموفق
أخوكم /
عمرو عبد الباري

Thursday, June 25, 2009

بين يدي الفكر "1" ...في افاق فكر راشد

بسم الله الرحمن الرحيم
(ميز الله الانسان بالعقل ) .. هذه العبارة نسمعها ونرددها كثيرا ، وكانت عندها هذه الوقفة وبدأ من عندها طيف التأمل ، وثار سؤالا تردد في أنحاء فكري ، ما هي وظيفة هذا العقل ؟ فكانت الاجابة أسرع ظهورا من السؤال ، وجدت عقلي يبعثها الى نفسي مؤكدا أن وظيفته هي التفكير، فكان الاستنتاج المنطقي ، وتبدلت ألفاظ العبارة في عقلي لتحمل معها موجة هادرة من التساؤلات والتأملات ، تبدلت العبارة إلى (ميز الله الانسان بالفكر ) ، ومضى العقل يبعث إلي براهينه على صدق هذه الاجابة فكان قول الله عز وجل " هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون " ، ثم أردف بقول الله تعالى " أفلا تتفكرون " وما كدت انتهي من بحث هذه الحجة الا تلقاني قول الله عز وجل " لعلكم تتفكرون " ، الى هنا أدركت أن العقل نعمة وظيفتها الفكر ، والفكر وظيفة ميز الله بها الانسان بل أمره بها أمرا صريحا وارتقى الأمر إلى ان أصبح مقياسا لتفضيل البشر بعضهم على بعض .
فمن ترك الفكر وآثر الركون والدعة ونام على ضفاف التبعية والخمول فقد أعلن إضرابا على هذا التفضيل وأعلن رضاه عن المساواة بغيره من المخلوقات ، وكيف لا ؟ و قد عطل هذه الموهبة التي وهبها الله له ، وفضله بها على غيره.
ومن المآسي التي ابتلينا بها في هذا العصر هي اعتقاد سائد بين الشباب من أبناء هذه الامة بل وان شئت قل من أبناء الحركة الاسلامية كذلك ، قناعة داخلية تجزم بأن ميدان الفكر محاط بأسوار عالية من الاسلاك الشائكة لا يتخطاها الا أناس لهم من القدرات ما لهم ولهم من العلم ما يعجز الكثيرون عن الاتيان بمثله ، ينظرون الى أصحاب الفكر والرأي وكأنهم كتيبة من أصحاب القدرات الخارقة والملكات الفريدة ، فما كان منهم الا أن عاشوا حياة لا فكر فيها ولا عقل ، ورضوا لأنفسهم المقام في مقاعد المتلقي على طول الخط ، لا يجروء أحدهم أن يعتلي منصة الحديث ولو حتى أمام نفسه ، فدب الركود في أيامهم واقتحم الجدب افاق اعمالهم وروى الفتور مناشطهم بماء حميم ، ووقفوا امام الملمات عاجزين ، ينتظرون صاحب الفكر الخارق الذي تكونت صورته في خيالهم ليخرجهم من هذه المعضلات.
إن ميدان الفكر ميدان خصب رحيب يقبل كل انسان عاقل ، بل لا تكتمل آدمية الانسان الا اذا دخل هذا الميدان وكان له فيه من الجولات ما يجعل منه عنصرا رائعا في مجتمعه وبين أقرانه ، له رأيه ورؤيته ، تكونت له ذات مستقله حبلى ، تحمل آماله وأحلامه وتقتات من ثقافته وواقعه حتى يأتي مخاضها فتضع مستقبلا مليئا بالخير وكلما وضعت مولودا ازداد شوقها الى آخر ، وهؤلاء هم الذين يصنعون هذه الحياة فالحياة ما هي الا مولود يحيا في أرحام هذه العقول التي خلقت لتفكر لا ليفكر لها غيرها.
لست انكر أبدا أن الفكر يحتاج الى علم ، ولكني أثبت أيضا ان العلم يحتاج الى فكر ، فهما صديقان يسيران معا ، يقودك كل منهما إلى صاحبه لا تبالي بأيهما بدأت ، فاذا أطلقت عقلك مفكرا متاملا ، برزت التساؤلات وألحت الاستفسارات البعيدة فلن تجد ملاذا الا أوراق الكتب ومجالسة اهل العلم وكلما عانقت هذا العلم عن لك من الامور ما يستحث فكرك على النهوض والنفير وهكذا في دائرة مغلقة تسفر دائما عن بناء الحضارات والامم ..
ما أعنيه هنا من الفكر ليس هذه الالفاظ الفخمة والعبارات المنمقة ، ولا هذه الفلسفات العقيمة التي لا تأتي بخير ، فهذه لا تعدو الا أن تكون مظاهرا كاذبة و "ديكورات" خادعة لاتنم الا عن ضحالة وخواء ، ولكني أقصد هذا الفكر الهادئ العميق الذي ينظر الى تلك الحياة وكأنها مجموعة لانهائية من التساؤلات التي تبحث عن اجابة فاذا ما اوحى عقله اليه بأحدها لا يطمئن الا إذا أنزلها حيز التجريب والاختبار فيبثها عقله الى روحه ومنها الى واقعه فيراها غيره كيانا ماثلا أمامه متحدثا عن نفسه وقد استغنى عن أحاديث غيره عنه ولو كان هذا الغير هو صاحب الفكرة ، نعم هو فكر لا يعرف الاوراق والكلمات والاسماع ولكنه يعرف الارواح والأنظار والجوارح جيدا ...
فهيا بنا نخوض هذا الميدان الرحب ، ننطلق في آفاق التأمل والفكر بعقول تؤمن أنها خلقت لتفكر ، نقتحم بها كل زاوية مظلمة ، نجعل من أنظارنا وقلوبنا وقودا لهذه الافكار ، نأخذ بعنانها في ميدان الحياة لتهذب أرواحنا وتقود أفعالنا ، وعند ذلك تكون النهضة ويكون النجاح ، ويكون ذلك الجيل الذي كتب الله النصر على يديه....
والله الموفق
أخوكم
عمرو عبد الباري